محمد بن سعيد بن الدبيثي
37
ذيل تاريخ مدينة السلام
ومن كل هذا يظهر أن المآخذ التي أخذت عليه لا علاقة لها بعلمه وإتقانه وضبطه ، فقد ذكر أبو علي النيسابوري أنه لم ير في أصحابه أحفظ من أبي بكر ابن الجعابي ، هذا وأبو علي النيسابوري هو أستاذ ابن الجعابي ، ولذلك قال الخطيب البغدادي معقبا : « حسب ابن الجعابي شهادة أبي علي له أنه لم ير في البغداديين أحفظ منه ، وقد رأى يحيى بن صاعد وأبا طالب أحمد بن نصر وأبا بكر عبد اللّه ابن محمد بن زياد النيسابوري وعامة أهل ذلك العصر ، وكان أبو علي قد انتهى إليه الحفظ عن الخراسانيين ، مع اشتهاره بالورع والديانة والصدق والأمانة » « 1 » . ومما يثير الانتباه أن ابن الجعابي قد أوصى بأن تحرق كتبه عند موته ، فذكر الأزهري أنها أحرقت جميعا ، وأحرق معها كتب للناس كانت عنده « 2 » . وتشير روايات أخرى إلى أنّه أحرق كتبه بنفسه أو قبيل وفاته ، فقد نقل الذهبي عن ابن شاهين ، قال : دخلت أنا وابن المظفر والدارقطني على ابن الجعابي وهو مريض ، فقلت له : من أنا ؟ قال : سبحان اللّه ألستم فلانا وفلانا ؟ وسمّانا ، فدعونا وخرجنا ، فمشينا خطوات ، فسمعنا الصائح بموته ، ورأينا كتبه تل رماد « 3 » . ونقل عن مسعود السجزي ، قال : حدثنا الحاكم ، قال : سمعت الدارقطني يقول : أخبرت بعلة الجعابي ، فقمت إليه ، فرأيته يحرق كتبه ، فأقمت عنده حتى ما بقي عنده سينة ، ومات من ليلته « 4 » . إن هذه النصوص تشير إلى أن كتب ابن الجعابي لم تصل إلى من جاء بعده ، وأنها أتلفت . ولعل هذا هو الذي يفسر لنا كيف أن الخطيب لم ينقل من هذا الكتاب ، إن وجد ، نصا واحدا ، ولا أشار إليه في تاريخه مع تداعي همته إلى
--> ( 1 ) تاريخ مدينة السلام 4 / 43 - 44 . ( 2 ) نفسه 4 / 48 . ( 3 ) سير أعلام النبلاء 16 / 92 . ( 4 ) نفسه 16 / 90 - 91 .